مسيحيو الشرق، أبناء اليوم أم أحفاد الماضي

22 أغسطس 2017 at 11:47م

د.سميرة مبيض: المركز الكردي السويدي للدراسات

الانسان حصيلة تاريخه. تختصر هذه الجملة الكثير من المخاوف التي يحملها مسيحيو الشرق اليوم، في حين يطمحون الى الوصول الى مستقبل متحرر من موقع الضعف الذي أجبروا عليه طويلاً، بحكم السياق التاريخي للمنطقة الذي تتالت ضمنه فترات احتلال طويلة الأمد، تبعت بفترات توتر سياسي واضطرابات عسكرية وعدم استقرار، تلته انقسامات مذهبية وطائفية، وسيطرة نظم استبدادية أو تحاصصية، لم يتح ضمنها للعامل الوطني التواجد ولا لحقوق المواطنة والقانون أن تكون سائدة.

حملت هذه الفترات ارثاً ثقيلاً من المجازر التي تعرّض لها المسيحيون لغاية أوائل القرن العشرين، والتي فُتحت جروحها من جديد ضمن حالة الفوضى العارمة والحروب التي تسود المنطقة اليوم. يوحّد هذا الإرث المسيحيين في الشرق بمختلف قومياتهم وطوائفهم.

يكمن الضعف في أن آثار هذه المجازر لم تعالج يوماً على الصعيد الوطني في أي بلد من بلدان الشرق. فبقيت عائقاً غير مباشر لبناء الثقة بين المسيحيين والمكونات الأخرى المذهبية والقومية في المنطقة التي أيدت أو شاركت أو غضت النظر عما حصل في الماضي، وبقيت عائقاً للخروج من ثقافة الوصاية والاستضعاف وثقافة التخوف والانصياع.

ربما يسود الظن بأنها أحداث تاريخية بعيدة زمنياً. لكن ذلك اعتقاد خاطئ تماماً. فلا يمكن الاعتماد على عامل النسيان في سياق ظلم كالذي حلّ بمسيحيي المشرق، والذي يدخل في خانة القتل المجاني الذي استهدف فئة ضعيفة من غير المنخرطين في العنف بشكل مباشر. كما لا يمكن توقّع تغيّر في رؤية الأجيال الجديدة لهذا الإرث المؤلم، فالذاكرة الجمعية لديهم تطغى عليها هذه الأحداث، وباتت تشكل جزءاً من التعريف الوجودي لهذا المجتمع وخصيصاً في ظل تهديد استمراريته ووجوده في هذه المنطقة التي تشكل وطنهم الأم.

كنتيجة لهذا الظلم، ما زال مسيحيو الشرق أحفاداً للماضي، تتسم كل خطواتهم بالبحث عن تفادي تكرار هذا المصير الذي ما يزال شبحه حاضراً بسبب غياب مسار سليم للاعتراف والإقرار بالمسؤولية وعليه، غاب مسار صفح ومصالحة على الصعيد الوطني، والمجتمعي المحلي بشكل يتيح المجال لبناء عقود اجتماعية جديدة على أرضية كافية من الثقة بالآخر، وإمكانية بناء حاضر ومستقبل مشترك.

على الرغم من الكثير من الجهود المبذولة في هذا الشأن على الصعيد الدولي، لكن الأمر يتعلق بشكل أكبر وأهم بالمستوى الداخلي. والجهود الأجدى التي يجب أن تبذل على الصعيد الوطني، تكاد تكون معدومة. فما يزال هناك من يجهل، لغاية اليوم، سياق وخلفيات هذه الأحداث أو تناولها بسطحية دون تعمق كاف، ما يجعل حكمه على موقف المسيحيين السياسي منقوص بحكم الجهل.

تبدو مثل هذه المكاشفات والمصارحات ضرورة اليوم، من منظور الرغبة في بقاء المسيحيين في الشرق، بعد فشل كافة ادعاءات حمايتهم من أطراف خارجية أو ادعاءات حمايتهم من النظم المتطرفة سلطوياً والتي أدت الى تهميش دورهم على مدى عقود، وتهجيرهم. حيث تظهر لنا احصاءات اليوم واقع التفريغ الكامل للشرق الأوسط من المسيحيين في المستقبل المتوسط المدى. وفي ظل عرقلة نهوض شعوب المنطقة الى مصاف الشعوب الحديثة، ومنع نشوء دول المواطنة والديمقراطية وحقوق الانسان، وعبر ترسيخ حالة العنف والصراع القائم في المنطقة دون حلول فاعلة، ما يدفع بالمسيحيين للهجرة، دون أفق منظور للعودة.

لا بد أن البدء بمسار المصالحة على أحداث تاريخية، يتطلب حالة استقرار حرمت منها المنطقة طويلاً. إذ لا يتم ذلك بالنيات الطيبة وحسب، بل بالكثير من العمل والشجاعة والحوار، ومن الالتزام بالتخلي عن العنف بكل أوجهه، والاعتراف بالحقوق وتحمّل واعي للمسؤولية. ويتطلب أيضاً إدراك وجود اختلاف على الكثير من الأمور، وتجاوزها عبر التمسك بإدانة التطهير العنصري والمذهبي بحق أي مكون من المكونات التي اجتمعت في هذه المنطقة، بحكم تتالي حضارات وأديان عديدة عليها.

يشير عالم الاجتماع الفرنسي Olivier Abel في ابحاثه؛ أن الوجه الأمثل للصفح في هذا السياق، يتسم بانفصاله عن كل دافع ديني. فهو ليس مرتبطاً بتعاليم التسامح والمغفرة، ولكنه صفح قائم على بالرغبة من الخروج من دوامة العنف. ورغم أن الشرق اليوم يفتقد لهذا الاستقرار، لكن جزءاً كبيراً من رؤية المستقبل المنشود والعمل على تحقيقه في المنطقة يتطلب معالجة الأحداث التاريخية التي دفعت بالمسيحيين لموقع الضعف. فهل باتت مكونات المجتمعات في الشرق الأوسط قادرة على العبور الى خطوة حكيمة تواجه فيها هذا العبئ، بدءاً بالظلم الذي حل بحق المكون المسيحي، وانتقالاً لتناول كل انتهاكات الماضي بحق جمع المكونات والتي تعكس بظلالها القاتمة على استمرارية الصراع القائم بينهم؟.

بعد أن عانى الجميع من ظلم طال أمده واختلفت مسمياته، لكن لم تختلف درجة قساوته، هل سيتم التخلي طوعاً عن مفهوم امتلاك الكلمة الأخيرة أو امتلاك الرصاصة الأخيرة؟. ليكون ذلك جزء من المسار الحتمي الذي نعيشه في هذا الحاضر الحزين، وجزء من الحل الذي يطمح له الجميع. أما التخلي عن هذا الحق، وعن هذا الواجب، فسيسمح بالانجرار بتيار تجار التطرف القومي والمذهبي، وتجار السلطة والسلاح، ليعيدوا تدوير عنف الماضي، ليبتلع الحاضر، ويصدرونه للمستقبل أيضاً. نحو كسر حلقة العنف إذاً. فقد حان أجلها، وقد استمرت أكثر من قرن. فإلى متى تغلبنا ولا نغلبها بالعقلانية؟.

أقرأ ايضاً