روسيا وأميركا في سوريا.. صراع حافّة الهاوية والغموض البنّاء

02 مايو 2017 at 3:10م

كثيرةٌ هي المحطات التي تجمع بين روسيا وأميركا لجهة التوتر شبه

الدائم بين البلدين منذ انتهاء الحرب العالمية في كل مراحل وتطور الإتحاد السوفياتي السابق، وتحول العلاقة بينهما الى التوتر التدريجي وصولًا الى ما أُطلق عليه مصطلح الحرب الباردة التي تأخذ أشكالًا مختلفة في كل حقبة زمنية، وصولًا حتى المرحلة المفصلية التي شكّل فيها سقوط تفكك الإتحاد السوفياتي نقطة تحول كبيرة بنَت على اساسها أميركا الكثير من استراتيجياتها الحالية لجهة الإستفراد بالعالم وسيادة تحكم القطب الواحد بعد ان كانت الأمور تنتظم ضمن سياسة التوازن المعقولة وذهبت باتجاه تقسيم العالم الى معسكرين غربي وشرقي، وهو الأمر الذي انتهى بعد سقوط الإتحاد السوفياتي وباتت بعده أميركا “زعيمًا أوحد” يتحكم بأغلب مفاصل العلاقات الدولية دون حسيبٍ أو رقيب. 

ومن الجدير بالذكر أنّ أميركا قادت عملية تفكيك الإتحاد السوفياتي وكان لتدخل المخابرات الأميركية المباشر والدعم المالي الخليجي أثرٌ كبير في هزيمة الإتحاد السوفياتي في افغانستان من خلال إنشاء تدريب ودعم الجماعات الإسلامية المتشددة، والتي تبلورت لاحقًا بصيغة تنظيمية تحت مسمّى “قاعدة الجهاد في افغانستان” والتي فرّخ عنها مئات التنظيمات الأكثر تشددًا وراديكالية، والتي عمل قسم منها في الشيشان ويعمل حاليًا في سوريا والعراق وليبيا واليمن وغير مكان في العالم وبقيادة المخابرات الأميركية وتمويل خليجي لم يتوقف ابدًا.

وبمرور سريع على الأزمات المفتعلة في جورجيا وآسيا الوسطى من قبل أميركا، نراها تتدخل في العلن والخفاء، رغم الإقرار العلني الأميركي بحق روسيا الحفاظ على مجالها الحيوي في هذه المنطقة، الاّ انها تنكرت للمواقف الإيجابية الروسية حيال العملية العسكرية الأميركة في أفغانستان بعد حادثة البرجين عام 2001 ومحطات عديدة اخرى ابدت فيها روسيا الكثير من المرونة والديناميكية بهدف نقل العالم من مرحلة المواجهة الى مرحلة العلاقات القائمة على الندّية وتحت سقف القانون الدولي، وهو ما كان يتم الإلتفاف عليه أميركيًا بشكل مستمر ودائم سواء لجهة ازمة جورجيا في عام 2008 او لجهة نشر اميركا الدرع الصاروخي في بولونيا وتشيكيا والعديد من المحطات التي تعتبرها روسيا اجراءات سلبية من شأنها ان توتر العلاقات بين البلدين اكثر، خصوصًا ان هذه العلاقات شهدت مرحلة انفراج وحيدة في عهدي الرئيس نيكسون وجيرالد فورد وبنسبة مقبولة لم تصل الى حدود التفاهم على نزع فتائل الأزمات وذلك بسبب العقل الذي يدير الإدارة الأميركية والسياسة الإستعمارية لأميركا.

في العام 2009، تم إقرار إستراتيجية الأمن القومي والديبلوماسية الروسية والتي وقعها حينها الرئيس ميدفيديف والتي تتضمن الدفاع الكامل عن روسيا ورد اي عدوان عليها وعلى اي من حلفائها وحفظ المجال الحيوي لروسيا دون اي تهاون، واستنادًا الى وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الروسي والديبلوماسية الروسية فإنّ ضمان مصالح الأمن القومي يقتضي من القوات المسلحة الروسية القيام بكل الإجراءات اللازمة لضمان هذه المصالح داخل روسيا وخارجها، كما يعتبر الدفاع عن اراضي الحلفاء والمجال الحيوي واجبًا لا يجب التهاون فيه.

وعليه، فإنّ وجود روسيا في سوريا ليس مستغربًا، فهو وجود قائم على خلفية زمنية طويلة من العلاقات بين روسيا وسوريا وتمتد الى زمن الإتحاد السوفياتي حيث لروسيا اصابع وبصمات مميزة في عملية بناء الإقتصاد السوري في مجالات متنوعة وشاملة من السدود الى المصانع الى تقديم العون والخبرات اللازمة للصعود بالإقتصاد السوري، وكذلك القوات المسلحة السورية التي تعتبر روسيا وقبلها الإتحاد السوفياتي المصدر شبه الوحيد للسلاح وكافة مجالات التعاون سواء في التدريب او في تبادل المعلومات وغير ذلك.

مع بداية الحرب على سوريا، كان واضحًا بالنسبة لروسيا مدى الدور الذي تلعبه اميركا في قيادة الحرب على سوريا وتكرار المشهد والسيناريو الأميركي نفسه لجهة استقدام الجماعات الإرهابية نفسها التي شاركت في الشيشان وافغانستان وتقديم كل انواع الدعم لها، والهدف هو سوريا وروسيا معًا لما تشكله سوريا من موطئ قدم في الجغرافيا له اهمية مطلقة في حماية وثبات المجال الحيوي لروسيا المستهدف الأول بعد سوريا، وهو ما ادركته القيادة الروسية مبكرًا وعملت من خلاله على تلافي خطأ منح التحالف الأميركي حق استهداف ليبيا من خلال عدم اتخاذ موقف حازم من روسيا حينها حول الأمر.

في الشكل وفي المضمون، روسيا الآن غير روسيا قبل عشر سنوات لجهة دورها الصاعد في الإقليم والعالم خصوصًا بعد دخولها بشكل مباشر عسكريًا على خط الحرب داخل سوريا، والنتائج والتحولات التي نتجت وتنتج عن هذا الدخول الذي مثّل مفاجأة وصدمة للأميركيين بما شكله من ترجيح لميزان القوى لمصلحة الدولة السورية.

في سوريا تُدار العلاقات بين روسيا وأميركا ضمن تفاهمات الحد الأدنى وعلى حافّة الهاوية، فكلا الطرفين يدعم فريقًا ويعمل على تعديل مسار الحرب لمصلحته وهو أمر بغاية الخطورة ويمكن ان ينتج عنه سقوط لمعايير التفاهم التي تقتصر حاليًا على بروتوكول تقني يرتبط بحركة الملاحة الجوية في الأجواء السورية ويُبقي سائر الخطوط مفتوحة ومتروكة للمعالجة الموضعية نظرًا لتعذر الوصول الى اتفاق ينهي الصراع، وهو ما تعيقه اميركا الراغبة في تحقيق انتصار لمصلحة جماعاتها وتعمل انطلاقًا من ذلك على تغيير آليات وجودها المخالف اصلًا للقانون الدولي، وهو ما يعطيها صفة المحتل ويعطي الدولة السورية حق الدفاع والمقاومة في اي وقت تتوفر فيه الظروف لذلك.

قد يعتقد البعض ان الصدام بين روسيا وأميركا يقتصر على المواجهة غير المباشرة وهو أمر خاطئ حيث شهدنا على الأقل حادثين معلنين سقطت فيها صواريخ اميركية دون ان تعلن اميركا السبب ودون ان تعلن روسيا او سوريا مسؤوليتها عن اسقاط الصواريخ. وهنا اود ان اذكّر باسقاط الصاروخين اللذين اطلقتهما البحرية الأميركية، وهما من طراز توماهوك في العام 2013 من على بعد 1800 كلم في عمق البحر الأبيض المتوسط باتجاه سوريا، وهو ما اتاح تواصل القيادة العسكرية الروسية مع الرئيس بوتين كون الصاروخان يحتاجان اكثر من ساعتين للوصول الى اهدافهما للحصول على اذن منه لاسقاط الصاروخين، وهو ما حصل دون اعلان مباشر وكذلك ما حصل اخيرًا من اختفاء 36 صاروخ توماهوك من اصل 59 اطلقتها البحرية الأميركية على قاعدة الشعيرات وهو ما يسمى في الحقيقة بالغموض البنّاء، وما مصطلح البنّاء هنا الاّ للدلالة على ايجابية النتيجة الحاصلة مع ابقاء الأطراف المعنية للأمر في سياق الغموض والإكتفاء بوصول الرسائل الناتجة عن الأمر ضمنًا، والسبب هو اتاحة المجال للتفاوض تحت الطاولة بهدف تغيير الوضع، والدليل على ذلك قيام وزير الخارجية الأميركي بزيارة الى روسيا والتي وصفت حينها بأنها كانت شديدة التوتر.

حتى وقت ليس بالقريب، ستبقى العلاقة الروسية الأميركية في سوريا علاقة توتر وصراع على حافة الهاوية مع امكانية تكرار معالم الغموض البنّاء وصولًا الى تحقيق قفزة في العلاقات نحو الإيجابية لن تنتج برأيي الاّ في الميدان لمصلحة احد الفريقين.

عمر معربوني – بيروت برس –

 

أقرأ ايضاً